محمد محمد أبو ليلة
271
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
وقد منع الدّاني أن ينقط المصحف بالسواد لأنه يغير رسم الكلمة ؛ ولم يستجز كذلك جمع قراءات شتى في مصحف واحد بألوان مختلفة ، لأنه من أعظم التخليط والتغيير للمرسوم . وقال الجرجاني إنه من المذموم كتابة تفسير كلمات القرآن بين أسطره . « 1 » وهذا يبين مدى عناية المسلمين بالقرآن من الجهتين ، الصوتية والإملائية . روى عن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقرأ القرآن على جبريل عليه السلام في كل عام مرة قال فقرأ عليه القرآن في العام الذي قبض فيه النبي صلى اللّه عليه وسلم مرتين فشهد عبد اللّه بن مسعود ما نسخ منه وما بدل فقراءة عبد اللّه الأخيرة اختلفت لذلك أما سائر الصحابة فقد كتبوا في هذه المصاحف ما تحققوا أنه قرآن ، وما علموه استوفى شروط النقل عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . لذلك اختلفت المصاحف بعض الاختلاف إذ لو سقطت العرضة الأخيرة لم تختلف المصاحف . يقول السيوطي بأن القراءات التي تواترت عن عثمان وعن ابن مسعود وأبى وغيرهم من الصحابة لم يكن بينهم فيها إلا الخلاف اليسير المحفوظ بين القراء . ثم إن الصحابة لما كتبوا المصاحف جردوها من النقط والشكل ليحمله المعنى ، ما لم يكن في العرضة الأخيرة . فعلوا ذلك لتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيها بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المعقولين المفهومين . لأن الصحابة تلقوا القرآن لفظا ومعنى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وما كانوا ليسقطوا شيئا منه البتّة « 2 » .
--> ( 1 ) الإتقان 4 / 162 ، 190 . ( 2 ) الإتقان 1 / 33 .